الاثنين، 30 أبريل، 2012

في ملكوت النوم يحرسك الله.



ألقى بجسده المنهك على الارض المعشوشب ووضع رأسه عليها ليغفوا قليلا وليستظل بظل الشجرة القريبة منه ، كانت من بين الاشجار المغروسة في تلك البقعة الصغيرة الخضراء ، في مدينة لا مكان فيها لمكان اخضر او رائحة الطبيعة الجميلة ، ولا تعرف شيئا اسمه الهدوء ، كل شيء يزأر ، ضجيج السيارات والحياة المدنية 
اقفل عيناه واستسلم لنوم عميق ، فقد احس بكل جسده يستسلم الى التراخي طلبا للراحة فهو قضى طيلة يومه في العمل في السوق يحمل الصناديق ويجر العربات طلبا للرزق ، جاء الى هذا المكان ليأخد قسطا من الاستراحة ، لكن اعضاء جسده استسلمت
 للنوم وتراخت وحلقت روحه في ملكوته . على بعيد من المكان بل وعلى مقربة منه ، شاهده شابان في مقتبل العمر ، يتهامسان وينظران الى الرجل النائم ، فقد كان يخططان لسرقته ، ولم يبالي لبساطة ثيابه ولا الى وضعيته ، المهم ان يسرقى ما يحمله من مال  ، لإقتناء مابتلي به من حبوب هولسة والمخدرات ، ولا يفهمان من هذه الدنيا سوى السرقة ودخول السجن والخروج منه للعودة اليه ، ولم يعد يهمهما في الحياة الا قضاء الوقت في الادمان جميع انواع المبيقات ولا يهم نظرة الناس ولا المجتمع  ، وكأنهما ينتقمان للظروف التي يتخبطان فيها ، ولا يدريان انهما ينتحران ببطء ، والرجل المسكين نائم لا يدري عن مصيره شيء ، وخطوا خطوات سريعة في اتجاه  الرجل ، واحدهم كان يمسك بالسكين صغير الحجم فقد فكر في ان يستعملان العنف ان قرر المقاومة ، اقتربا منه ووقف يتفرسان في وجهه كان هادئ الملامح اسمر اللون  وملامح الرضى والقناعة على وجهه ، وخطوط الشقاء والكد بادية عليه ، احس احدهم بشعور خفي لا يدري كنه ،  شعور بشفقة على الرجل  بدى له كوجه ابيه الذي يكافح مع الزمان ، نظر الشاب الى صديقه وقال : هذا الرجل يذكرني بوالدي ، دعه ولنمضي لحالنا لم احس يوما بالشفقة عن انسان وشعرت بهذا الان لا اعلم لماذا ؟  هل هو هدوئه واطمئنانه ، لا اعلم ام لانه يدكرني بابي ؟!. هيا لنغادر .
فأومأ الاخر براسه بالايجاب وغادروا المكان بلا رجعة ، اما الرجل  فلا شعر بما دار حوله ، فقد كان غائبا عن الدنيا .

ومرت سيارة اجرة ووقفت بجانب المكان ، وخرجت منه امرأة مسنة ، واتجهت نحو الظل حيث ينام الرجل ، لتجلس وتنظر قدوم  حفيدتها لتصحبها الى المنزل ، ونظرت الى الرجل النائم ورأت ملامحه الهادئة ، واحست بقلبها يخفق كم يشبه هذا الرجل ابنها الذي سافر الى الخارج  ولم تعد تسمع عنه خبرا ، حتى خيل اليها انه هو وكادت تيقظه وتسأله عن اسمه وحاله ، ووقفت واقتربت منه لترى وجهه واندهشت لشبه الذي بينه وبين ابنها الغائب ، لولا ان بنها يحمل خالة سوداء في وجهه وهذا يبدوا اطول قامة و وانهمرت الدموع من عينيها ، وفجأة لاح لها عقرب اسود اللون يقترب من دراع الرجل ، واحست بالذعر والتقطت حجرا وهوت به على العقرب وقتلته وقالت : الحمده الله اني هنا لكنت الان تتألم من السم . لم يسمعها الرجل فهو ليس في هذا العالم فهو مازال في ملكوت النوم ، ورن منبه السيارة إنها  حفيدتها جاءت أخيرا وصعدت المرأة الى سيارة وغابت عن الانظار .
اما الرجل فنومه كان اشبه بموت خفيف وما علم ان حياته كانت قيد الخطر لولا ان العناية الالهية ارسلت له تلك المرأة الطيبة ، وكان نومه غريبا فكأنه لم ينام طيلة اسبوع  وكان ظلال الشجر ونقاء المكان استحودته  ، وبعد برهة من الزمان توقفت سيارة فخمة ، خرج منها رجل اجنبي ابيض الشعر ، انيق الهندام ، يبدوا عليه الثراء ، حمل معه حبلا ، كانت  ملامحه تدل على الحزن والتوتر والكأبة ، ونظر الى الشجرة التي ينام تحتها بطلنا ، وقال :هذا هو المكان المطلوب . لكن ازعجه وجود الرجل ، واعتقد انه اساء الاختيار ، فقد قرر الانتحار بعد ان مل من كل شيء ، لم يعد يحس بحلاوة الحياة ، فهو لم يشعر يوما بالراحة ولا عرف طعم السعادة ، فما جمعه من المال كان من اتجاره بالممنوعات والمخدرات ، لم يكن يهمه سوى المتعة وجمع المال ، لكن الان كل شيء تغير ، وكل يوم يحس بانه مراقب ، واصبحت حياته جحيما ، وامام هواجسه نظر الى الرجل النائم واستغرب نومه ذاك ، وملامحه الهادئة والقناعة البادية عليه اكيد هذا الرجل  نام مرتاح البال لا يفكر في شئ . كم احسده ، فرغم فقره يحس بالراحة ؛ انظر كيف يستظل بالشجر ويلتحف بالسماء ، كم تمنى مثل هذه الراحة . ماسر هذا الهدوء والنوم بكل هذا الاطمئنان ؟ اليس هذه هي القناعة التي لا يعرفها ، اليس هو الكسب الحلال الطيب والثقة بالله وتوكل عليه ، ورمى بالحبل ونظر مجددا الى الرجل النائم وقال : نعم سأبدأ من جديد ، ووبدأ عمل جديدا فيه الكسب الحلال الطيب  واذ ذاك سانعم بالراحة واحس بطعم السعادة ، وسأحضى انذاك بنومة مثل نومتك ايها الرجل .
واخرج  مبلغا مهما من المال ووضعه قرب الرجل النائم ، وقال : اتمنى ان تستيقظ وتجد هذا المبلغ الذي سيكفيك مدة لابأس بها ، فلقد غيرت  حياتي بدون ان تدري وتعلمت منك معنى الكسب الحلال وأن تنام وانت راض عن نفسك . وصعد الرجل الى سيارته ورحل عن المكان  وهبت ريح خفيف وشتت الاوراق المالية وطارت بها بعيدا متفرقة وتلاشت ولم يبقى لها وجود ، وكأنها تبعد عنه المال الحرام ، ونهض الرجل من نومه واستغرب ثقل نومه ، لكنه ابتسم واحس بنشاط غامر وداعبت الريح ملامحه ، وغادر الى عمله وحياته ، وهو لا يدري  عن مادار حوله والشخصيات الي تفاعلت معه .وماكان سيصيبه . 
فالحياة مليئة بصدف ومواقف تمر امامك ولا ندري عنها شيئا قد تكون متعلقة بنا وتحدد مصيرنا لكن نحن لا نعلم عنها  ، لا نحس ولا نشعر به لغيابنا عن ادراكه .


إرسال تعليق