السبت، 24 سبتمبر، 2011

الخيار الافضل


فكرا طويلا وقرر ان يضع حدا لهذه الحيرة التي انتابته سنوات عدة ، وقرر وضع نقطة فصل بين ماكان عليه من افكار وتعامل ؛ فلقد تعب من النفاق الاجتماعي ، ومن التناقضات التي كان يواجهها بأخلاقه الطيبة ومعاملته الحسنة ، وبالتحضر الفائق الذي يتميز فيه في مجتمع لا يؤمن بالرقي في الفكر ، ملَّ الابتسامات الصفراء والكلمات المعسولة الصادرة من قلوب ملائها الحقد والانانية والحسد ، ومن الاستغلال الواضح ومن الاحتقار ، والضرب من تحت الحزام ، كان يعيش وسط هؤلاء بإنسانية كبيرة وطيبوبة اكبر . احس بأن تلك الصفات ماهي إلا ضعف في زمان الوحوش ، لدا قرر تركيب شخصية اخرى بعيد كل البعد عن شخصيته الحقيقية ، اليس كل من في هذا المجتمع يخفي حقيقته؟ ويضع قناعا لايمت له بصلة ، ويظهر الجانب الاخر ، لما لايفعل ذلك بدوره؟

يفاجئه رنين هاتفه الخلوي ، ويقيظه من تفكيره العميق  ، يمسك بالهاتف ، تظهر على شاشته رقم صديق يعرفه ، قرر عدم الرد " نعم هو لم يتصل ليسأل عني ، بل يريد حاجته المعهودة ، لا لن ارد ، انا لست الشخص الذي عرفوه سابقا ، انا انسان اخر ". دار هذا الحديث مع نفسه ، وانقطع الرنين ، لكن بعد برهة عاد الاتصال من جديد ، لم يرد الى انقطع الاتصال ، فقام من مكانه واشعل التلفاز ، فجلس يشاهد الاخبار المسائية ، ضحك بصوت عال وقال وكأنه اصيب بمس من الجنون :" هراء في هراء ، من يسمع ويشاهد هذه الاخبار ، يظننا نعيش في بلد متقدم اجتماعيا واقتصاديا ، كل هذا زيف ونفاق ، وابتسامة هذا المذيع مزيفة ، يعلم هذه الوجوه كثيرا ، واقفل التلفاز" ، وذهب لينام.


استيقظ مبكرا كعادته فهو يشتغل في شركة خاصة ، بدأ عمله منذ ثلاث سنوات ، تحسنت حالته المادية  نوعا ما ، وبدأ يحس بإعتزاز بنفسه ، لكن هذا الاعتزاز انخفض تدريجيا ، عندما لاحظ ان هناك امورا اخرى تزعجه نفسيا وفكريا . لنس ملابسه الانيقة ، وخرج مسرعا الى مقر عمله.
اهلا ياسيد هشام  كيف الاحوال ؟ ".  بادره حارس الامن  الخاص بالشركة ، رد عليه هشام  السلام لكن بدون ابتسامته المعهودة ، وتجاوزه امام استغراب  الحارس ، دخل الى الشركة بدون ان ينبس بكلمة وجلس في مكتبه ،  انتبه لصوت زميل له في العمل قائلا : هيه  ماذا حدث لا سلام ولا كلام .هل تعاني من خطب ما ؟
رد عليه هشام وهو يقلب في اوراق على مكتبه : لا ليس هناك امر ، انا فقط متعب نوعا ما .
ويجيبه زميله مبتسما : هذه هي ضريبة العمل ، انا لاأكره ان احصل اجازة سنة في هواي وا ميامي .
لم يعلق هشام ، واضطر زميله للصمت  
وتدخل زميلتهم نادية موظفة كذلك في الشركة  ، تمتاز بالجمال والاناقة ، والكل لا يرفض لها طلب ، كان هشام دائما يلبي طلباتها ويقوم ببعض اعمال عنها ، برحابة صدر كبيرة . وتتجه نحوه مبتسمة وبتدلل تسلم عليهم وتخصص التحية له قائلة : كيف حالك يا هشام ، اتدري لدي امر اود ان ...
فجأة قطع هشام كلامها بصوت صارم غير معهود عليه : أي امر لديك ، قضي الامر ، قومي باعمالك يا سيدة ، ولا تتخدي اعذارا واهية  لمساعدتك ، انا لست بمغفل ، سابقا كنت اقوم بذلك حبا في الخير ، اما الان لكل واحد اختصاصه منا لان فصاعدا .
امام هذا الرد الغير المتوقع والصادم لم تتمالك نادية نفسها وصرخت في  وجهه غاضبة : وهل اتيت راغبة فيك ايها المغفل ، وماهذه الوقاحة التي تتكلم بها معي ؟ .
فرد عليها بقساوة : الوقاحة هي ألا تقومي باعمالك بنفسك ، من تخالين نفسك شاكيرا في مقر عمل .
وخرجت نادية تضرب برجلها ساخطة ، لم يستطيع زملائه تصديق مايرونه ، اهذا هشام الشاب الطيب المتفهم ام ماذا ، واراد احدهم ان يتكلم ، لكن قطعه هشام قائلا : أرجوا ان لا يعلق احدا على كلامي لا اريد ان اسمع اي احد . فصمت زميله واستغراب بادي على محياه


أصبح هشام حديث الشركة كلها ، لتغير الذي حدث له في تعامله ، والكل يتسأل ماسبب وراء كل هذا ، التغير من الافضل الى الاسوء ، هذا الاستغراب لم يكن حبيس الشركة فقط ، بل تعداه الى الحي الذي يقطن به واثار الكثير من الردود حول شخصيته الجديدة الصارمة والعصبية ، وأصبح الكل يتفادى التعامل معه ، او حتى السلام عليه . اما هشام فقد احس بحلاوة الانتصار ، اصبح الكل يخشاه ، لم يعد يتمالك غضبه ، ويسخط هو كذلك مع الساخطين ، ويسب ويشتم عند الغضب  حتى في الامور التافهة ، اصبح ينافق ويخادع ، اصبح انسانا اخر ، والغريب ان راتبه ازداد بسبب هذ التغيير

مع مرور الوقت احس بأن حياته اصبحت تعيسة ، وأعصابه دائمة التوتر ، حياته رتيبة ، فيها الكثير من التذمر والشكوى وعدم الرضى ، اصبح يهتم للأمور التافهة . فقرر الخروج ذات يوم لينفس عن نفسه اما كثرة الضغوطات النفسية ، اوتجه الى احد المتنزهات العمومية ، جلس على الكرسي وحيدا ، يتأمل اطفالا يلعبون ويضحكون غير مبالين بأحد ، فتذكر براءة الطفولة ،" ياه سيكبرون ويجدون عالم الكبار مختلفا وسيفقدون تلك البراءة وتتغير شخصياتهم الى الاسوء" . فٌُجِيء بصوت يلقي عليه السلام  فرد السلام ، كان رجلا كهلا جلس بجواره ، يبدوا على ملامحه الوقار والجمال . وإنتبه للشجارالواقع بين ولدين حول الكرة ، كل واحد يرى ان له الحق في ان يلعب لوحده . فنادهما الكهل بصوت دافيء ، امام استغراب هشام ، فأتيى عنده فقال مبتسما : لماذا تتشجاران هاهناك ؟
فأجاب احدهما قائلا : الكرة لي واريد ان العب بها وحدي ، وهذا الولد اقتحم مكاني واراد ان ايشاركني اللعب ، ولم ابغي ذلك وتشجارنا . .
فرد الاخر : انا فقط اريد ان العب معه ولن اكلها له ! . فضحك الكهل قائلا : الهذا تتشجاران ! اتدري يابني هذه الكرة صنعت ليلعب بها الناس في جماعة ومع الاخرين ، دع يابني صديقك يشاركك اللعب لتحس متعة الجري والرمي واللراوغة ، ومن الافضل على الانسان ان يسمح للاخرين بمشاركته في اللعب ليستفيد ويفيد ، فالانانية امر مقزز ." فنظر الكهل الى هشام وقال : اليس كذلك ايها السيد ؟
فبغت هشام للاستفسار المباغت فقال : اجل لكن ألم يكن هذا الولد يريد ان يفرض شخصيته على الاخر ، او ان التاني يريد اثبات القوة والعناد ، او انه يشك في نوايا الاخر ."  لكن الكهل لم يجيب ، فوجه كلامه للولدين : هيا اللعب معا وشاركا اللعب مع الاخرين فما عاش من يعيش لنفسه فقط ". فجرى الولدين بكل مرح مطيعان لنصيحة الكهل . ونظر الى هشام وقال مبتسما : تلك الفلسفة التي تتبعها ، فلسفة الضعفاء ..." فإحمر وجه هشام واراد ان يتفوه بكلمات نارية ، لكن الكهل واصل حديثه قائلا : انت الان في قرارة نفسك غاضب وناقم علي وتريد ان تسمعني مالم اسمعه ، ليكن لكن الشخصية لا تفرض بتلك الطريقة ، ليس بالغضب والتأمر والتعصب نصنع الاحترام ، فما تراه في وجوه الاخرين من الاحترام المزعوم ماهو الا خوف واحتقار لك ، وان بدى لك احتراما ، والحياة فن والكثيرون يجهلون ذلك .
فقاطعه  هشام : الحياة فن تلك ماهي الا ترهات الفلاسفة  ، مجرد اقوال لا علاقة لها بالواقع ، رغم اني اعلم انك مررت بتجارب في الحياة بحكم سنك الا اني اراك متشبت بافكار  زمان كان فيه كل شيء جميل اما الان كل شيء تغير ، فلن تكسب احترام الاخرين حتى تدوس عليهم برجلك ، وتحتقرهم وتتبث لهم مدى تفوقك ، وبالنفاق والكلام الجميل تخوط كل الحواجز ، اما ما تقوله فليس له مكان هنا .
ابتسم الكهل مرة اخرى ورد بصوت هاديء : كنت انتظر منك هذه الاجابة ، وقد يكون ماتقوله صحيحا في نظر امثالك ، لكن في نظر من يعرف قيمة الحياة فلا ، اتعتقد انك فرضت الاحترام بذلك لا واقسم لك ان كل ماغادرت احدهم ولا ويتكلم عنك بسوء ، وفي قرارة نفسه انت مجرد متغطرس مريض نفسيا ، وأنا متأكد من انك تعيش حياة كلها نكد وضنك ، ولا تعرف راحة للبال والامراض ستقتحمك اجلا ام عاجلا بسبب الضغوطات وستخلق جيشا من الاعداء من نفسك ومن الاخرين ، وهل سمعت يوما احدا يمدح انسانا انانيا انتهازي لا وان قيل امامه كل مفردات المدح ، لكن في غيباته يذم ، لم يتغير الزمان يابني لكن الانسان هو الذي تغير ، وفي كل زمان يوجد صالح وطالح وانا خبرت الحياة وعلمت ان مايدوم  هو العمل الصالح النافع ، والشخصية القوية هي  في أن تكسب ود الاخرين وتكون صريحا مع ذاتك ومع الاخر.
لكن بدى على هشام عدم الاقتناع وقال : وهل تعتقد ان الناس سيحترمون انسانيتك بل ستبدوا مجرد مغفل في نظرهم . فهؤلاء وحوش.
اشار الكهل بيده الى الناس الموجودون في المتنزه قائلا : وهل تعتقد ان هؤلاء الناس وحوش ، الا ترى السعادة الغامرة على وجوههم مع احبائهم وأولادهم واصدقائهم ، نعم النفاق موجود لكن هل الكل ينافق ؟، هل عندما تنبس بكلمة طيبة صادقة في وجه احدهم هل سينظر اليك كمغفل لا بل سيبادلك حبا بحب لانك بادرته بالطاقة الايجابية ، لا يابني على الانسان ان لايتسرع في القاء الاحكام المسبقة ، الانسان الذكي هو الذي يعرف كيف يفرق بين الاشخاص ، وان ركزت على  عيوبهم ما أحببت احدا
سكت هشام مفكرا فقال : لكن هم يعتبرون كل انسان يتصف بالخلق الجميل ضعيفا .
ابتسم الكهل : اتدري في نظر من ؟ فيمن يملك افكارا مثل افكارك ، فيمن لا يثق بنفسه ، ولم يفرض شخصيته كما خلق لمن يبنغي رضى الناس على حساب رضى رب العباد ، من لايستطيع ان يواجه العالم بحقيقته فتلاشت شخصيته واختار طريقا عواجا ، اذا ماهو الا ضعيف الهمة يثأثر لأدنى هزة . والحياة مليئة بالحواجز فلا يتجاوزها الا من عرف ان الحياة فن كما قلت سابقا ؛ كن جميلا  متخلقا  وصريحا ، مقتحما قلوب الناس بالحب ، والا تفعل الخير لتنظر المديح والشكر بل افعله لوجه الله ، وكلام الناس مجرد ترهات واقاويل لملاء الفراغ.
سكت الكهل وحل برهة من الصمت ومر رجل فألقى السلام ، فرد الكهل وهشام السلام ، وهنا قال الكهل : لو كنت بتفكيرك ، لقلت هذا الشخص ألقى السلام لأجل غرض ما ، لكنه القى السلام لانها صفة جميلة من خصالنا الحميدة ."  فقام الكهل مودعا هشام وقال : تذكر يابني ، ارضاء الناس غاية لا تدرك ، افعل الخير وانساه ، ليس مهما كم ستعيش وكيف ، الاهم ماستتركه من الخير والصفات الجميلة ليذكرك بها الناس.
دارت افكار الكهل في مخيلة هشام ، وقال مخاطبا نفسه : اه كم انا غبي ، لماذا ركزت فكري على سلبيات الناس ، وجعلتهم في صنف واحد ، والاختلاف من طبيعة الحياة ، كم من الوقت ضيعته في التفاهات ، والمعاملة الغبية ، الشكر لله الذي بعث لي هذا الرجل الحكيم ، نعم هذه الحياة لا تستحق كل هذا البؤس الفكري


في الغد دهب هشام الى مقر عمله نشيطا ، وقابل حارس الامن الشركة بابتسامة كبيرة ، امام استغراب هذا الاخير فقاطع هشام استغراب الحارس قائلا : كيف الاحوال ، اليس هناك جديد في حياتك ؟.
فرد الحارس ومازال مستغربا : ليس هناك جديد الامور كما هي.
ابتسم هشام وقال : الحياة مليئة بالجديد ياصديقي ؛ ابحث ستجد كل شيء جديد.
ودخل الى مكتب نادية ، فسلم عليها وتفاجأت نادية وردت السلام ، فاتجه نحوها قائلا : اعتذر عما سبق وبدر مني ، كنت احمقا وكنت امر بلحظات فكرية حمقاء، اثرت في معاملتي مع الاخرين . فضحك وابتسمت نادية قائلة : لا عليك .

الكل  لاحظ الغيير الثاني والافضل  لهشام . فقد أصبح دائم الابتسام ويساعد الكل ويداعبهم . يمرح ويعمل , اعتذر لكل من اساء اليهم . اصبح محط الاعجاب والاحترام . بل وأصبح ظاهرة الحي والعمل
واحرز قدما كبيرا في عمله الى وصل الى منصب مدير الشركة . ودخلت الشركة السوق العالمية .

وموازة لعمله انخرط هشام في ندوات يلقي فيها  محاضرات للتنمية البشرية  . وفي كل ندوة يصرح قائلا : كلمات رجل كهل مغمور , غيرت مفاهيم فيلسوف غبي , الى الافضل . الحياة فن كما قال  والكثيير يجهل  كيف يعيشها . لنعشها اذا ونتعلم هذا الفن والخيار الافضل لك .


اعلان 1
اعلان 2

0 التعليقات :

عربي باي

السبت، 24 سبتمبر، 2011

الخيار الافضل


فكرا طويلا وقرر ان يضع حدا لهذه الحيرة التي انتابته سنوات عدة ، وقرر وضع نقطة فصل بين ماكان عليه من افكار وتعامل ؛ فلقد تعب من النفاق الاجتماعي ، ومن التناقضات التي كان يواجهها بأخلاقه الطيبة ومعاملته الحسنة ، وبالتحضر الفائق الذي يتميز فيه في مجتمع لا يؤمن بالرقي في الفكر ، ملَّ الابتسامات الصفراء والكلمات المعسولة الصادرة من قلوب ملائها الحقد والانانية والحسد ، ومن الاستغلال الواضح ومن الاحتقار ، والضرب من تحت الحزام ، كان يعيش وسط هؤلاء بإنسانية كبيرة وطيبوبة اكبر . احس بأن تلك الصفات ماهي إلا ضعف في زمان الوحوش ، لدا قرر تركيب شخصية اخرى بعيد كل البعد عن شخصيته الحقيقية ، اليس كل من في هذا المجتمع يخفي حقيقته؟ ويضع قناعا لايمت له بصلة ، ويظهر الجانب الاخر ، لما لايفعل ذلك بدوره؟

يفاجئه رنين هاتفه الخلوي ، ويقيظه من تفكيره العميق  ، يمسك بالهاتف ، تظهر على شاشته رقم صديق يعرفه ، قرر عدم الرد " نعم هو لم يتصل ليسأل عني ، بل يريد حاجته المعهودة ، لا لن ارد ، انا لست الشخص الذي عرفوه سابقا ، انا انسان اخر ". دار هذا الحديث مع نفسه ، وانقطع الرنين ، لكن بعد برهة عاد الاتصال من جديد ، لم يرد الى انقطع الاتصال ، فقام من مكانه واشعل التلفاز ، فجلس يشاهد الاخبار المسائية ، ضحك بصوت عال وقال وكأنه اصيب بمس من الجنون :" هراء في هراء ، من يسمع ويشاهد هذه الاخبار ، يظننا نعيش في بلد متقدم اجتماعيا واقتصاديا ، كل هذا زيف ونفاق ، وابتسامة هذا المذيع مزيفة ، يعلم هذه الوجوه كثيرا ، واقفل التلفاز" ، وذهب لينام.


استيقظ مبكرا كعادته فهو يشتغل في شركة خاصة ، بدأ عمله منذ ثلاث سنوات ، تحسنت حالته المادية  نوعا ما ، وبدأ يحس بإعتزاز بنفسه ، لكن هذا الاعتزاز انخفض تدريجيا ، عندما لاحظ ان هناك امورا اخرى تزعجه نفسيا وفكريا . لنس ملابسه الانيقة ، وخرج مسرعا الى مقر عمله.
اهلا ياسيد هشام  كيف الاحوال ؟ ".  بادره حارس الامن  الخاص بالشركة ، رد عليه هشام  السلام لكن بدون ابتسامته المعهودة ، وتجاوزه امام استغراب  الحارس ، دخل الى الشركة بدون ان ينبس بكلمة وجلس في مكتبه ،  انتبه لصوت زميل له في العمل قائلا : هيه  ماذا حدث لا سلام ولا كلام .هل تعاني من خطب ما ؟
رد عليه هشام وهو يقلب في اوراق على مكتبه : لا ليس هناك امر ، انا فقط متعب نوعا ما .
ويجيبه زميله مبتسما : هذه هي ضريبة العمل ، انا لاأكره ان احصل اجازة سنة في هواي وا ميامي .
لم يعلق هشام ، واضطر زميله للصمت  
وتدخل زميلتهم نادية موظفة كذلك في الشركة  ، تمتاز بالجمال والاناقة ، والكل لا يرفض لها طلب ، كان هشام دائما يلبي طلباتها ويقوم ببعض اعمال عنها ، برحابة صدر كبيرة . وتتجه نحوه مبتسمة وبتدلل تسلم عليهم وتخصص التحية له قائلة : كيف حالك يا هشام ، اتدري لدي امر اود ان ...
فجأة قطع هشام كلامها بصوت صارم غير معهود عليه : أي امر لديك ، قضي الامر ، قومي باعمالك يا سيدة ، ولا تتخدي اعذارا واهية  لمساعدتك ، انا لست بمغفل ، سابقا كنت اقوم بذلك حبا في الخير ، اما الان لكل واحد اختصاصه منا لان فصاعدا .
امام هذا الرد الغير المتوقع والصادم لم تتمالك نادية نفسها وصرخت في  وجهه غاضبة : وهل اتيت راغبة فيك ايها المغفل ، وماهذه الوقاحة التي تتكلم بها معي ؟ .
فرد عليها بقساوة : الوقاحة هي ألا تقومي باعمالك بنفسك ، من تخالين نفسك شاكيرا في مقر عمل .
وخرجت نادية تضرب برجلها ساخطة ، لم يستطيع زملائه تصديق مايرونه ، اهذا هشام الشاب الطيب المتفهم ام ماذا ، واراد احدهم ان يتكلم ، لكن قطعه هشام قائلا : أرجوا ان لا يعلق احدا على كلامي لا اريد ان اسمع اي احد . فصمت زميله واستغراب بادي على محياه


أصبح هشام حديث الشركة كلها ، لتغير الذي حدث له في تعامله ، والكل يتسأل ماسبب وراء كل هذا ، التغير من الافضل الى الاسوء ، هذا الاستغراب لم يكن حبيس الشركة فقط ، بل تعداه الى الحي الذي يقطن به واثار الكثير من الردود حول شخصيته الجديدة الصارمة والعصبية ، وأصبح الكل يتفادى التعامل معه ، او حتى السلام عليه . اما هشام فقد احس بحلاوة الانتصار ، اصبح الكل يخشاه ، لم يعد يتمالك غضبه ، ويسخط هو كذلك مع الساخطين ، ويسب ويشتم عند الغضب  حتى في الامور التافهة ، اصبح ينافق ويخادع ، اصبح انسانا اخر ، والغريب ان راتبه ازداد بسبب هذ التغيير

مع مرور الوقت احس بأن حياته اصبحت تعيسة ، وأعصابه دائمة التوتر ، حياته رتيبة ، فيها الكثير من التذمر والشكوى وعدم الرضى ، اصبح يهتم للأمور التافهة . فقرر الخروج ذات يوم لينفس عن نفسه اما كثرة الضغوطات النفسية ، اوتجه الى احد المتنزهات العمومية ، جلس على الكرسي وحيدا ، يتأمل اطفالا يلعبون ويضحكون غير مبالين بأحد ، فتذكر براءة الطفولة ،" ياه سيكبرون ويجدون عالم الكبار مختلفا وسيفقدون تلك البراءة وتتغير شخصياتهم الى الاسوء" . فٌُجِيء بصوت يلقي عليه السلام  فرد السلام ، كان رجلا كهلا جلس بجواره ، يبدوا على ملامحه الوقار والجمال . وإنتبه للشجارالواقع بين ولدين حول الكرة ، كل واحد يرى ان له الحق في ان يلعب لوحده . فنادهما الكهل بصوت دافيء ، امام استغراب هشام ، فأتيى عنده فقال مبتسما : لماذا تتشجاران هاهناك ؟
فأجاب احدهما قائلا : الكرة لي واريد ان العب بها وحدي ، وهذا الولد اقتحم مكاني واراد ان ايشاركني اللعب ، ولم ابغي ذلك وتشجارنا . .
فرد الاخر : انا فقط اريد ان العب معه ولن اكلها له ! . فضحك الكهل قائلا : الهذا تتشجاران ! اتدري يابني هذه الكرة صنعت ليلعب بها الناس في جماعة ومع الاخرين ، دع يابني صديقك يشاركك اللعب لتحس متعة الجري والرمي واللراوغة ، ومن الافضل على الانسان ان يسمح للاخرين بمشاركته في اللعب ليستفيد ويفيد ، فالانانية امر مقزز ." فنظر الكهل الى هشام وقال : اليس كذلك ايها السيد ؟
فبغت هشام للاستفسار المباغت فقال : اجل لكن ألم يكن هذا الولد يريد ان يفرض شخصيته على الاخر ، او ان التاني يريد اثبات القوة والعناد ، او انه يشك في نوايا الاخر ."  لكن الكهل لم يجيب ، فوجه كلامه للولدين : هيا اللعب معا وشاركا اللعب مع الاخرين فما عاش من يعيش لنفسه فقط ". فجرى الولدين بكل مرح مطيعان لنصيحة الكهل . ونظر الى هشام وقال مبتسما : تلك الفلسفة التي تتبعها ، فلسفة الضعفاء ..." فإحمر وجه هشام واراد ان يتفوه بكلمات نارية ، لكن الكهل واصل حديثه قائلا : انت الان في قرارة نفسك غاضب وناقم علي وتريد ان تسمعني مالم اسمعه ، ليكن لكن الشخصية لا تفرض بتلك الطريقة ، ليس بالغضب والتأمر والتعصب نصنع الاحترام ، فما تراه في وجوه الاخرين من الاحترام المزعوم ماهو الا خوف واحتقار لك ، وان بدى لك احتراما ، والحياة فن والكثيرون يجهلون ذلك .
فقاطعه  هشام : الحياة فن تلك ماهي الا ترهات الفلاسفة  ، مجرد اقوال لا علاقة لها بالواقع ، رغم اني اعلم انك مررت بتجارب في الحياة بحكم سنك الا اني اراك متشبت بافكار  زمان كان فيه كل شيء جميل اما الان كل شيء تغير ، فلن تكسب احترام الاخرين حتى تدوس عليهم برجلك ، وتحتقرهم وتتبث لهم مدى تفوقك ، وبالنفاق والكلام الجميل تخوط كل الحواجز ، اما ما تقوله فليس له مكان هنا .
ابتسم الكهل مرة اخرى ورد بصوت هاديء : كنت انتظر منك هذه الاجابة ، وقد يكون ماتقوله صحيحا في نظر امثالك ، لكن في نظر من يعرف قيمة الحياة فلا ، اتعتقد انك فرضت الاحترام بذلك لا واقسم لك ان كل ماغادرت احدهم ولا ويتكلم عنك بسوء ، وفي قرارة نفسه انت مجرد متغطرس مريض نفسيا ، وأنا متأكد من انك تعيش حياة كلها نكد وضنك ، ولا تعرف راحة للبال والامراض ستقتحمك اجلا ام عاجلا بسبب الضغوطات وستخلق جيشا من الاعداء من نفسك ومن الاخرين ، وهل سمعت يوما احدا يمدح انسانا انانيا انتهازي لا وان قيل امامه كل مفردات المدح ، لكن في غيباته يذم ، لم يتغير الزمان يابني لكن الانسان هو الذي تغير ، وفي كل زمان يوجد صالح وطالح وانا خبرت الحياة وعلمت ان مايدوم  هو العمل الصالح النافع ، والشخصية القوية هي  في أن تكسب ود الاخرين وتكون صريحا مع ذاتك ومع الاخر.
لكن بدى على هشام عدم الاقتناع وقال : وهل تعتقد ان الناس سيحترمون انسانيتك بل ستبدوا مجرد مغفل في نظرهم . فهؤلاء وحوش.
اشار الكهل بيده الى الناس الموجودون في المتنزه قائلا : وهل تعتقد ان هؤلاء الناس وحوش ، الا ترى السعادة الغامرة على وجوههم مع احبائهم وأولادهم واصدقائهم ، نعم النفاق موجود لكن هل الكل ينافق ؟، هل عندما تنبس بكلمة طيبة صادقة في وجه احدهم هل سينظر اليك كمغفل لا بل سيبادلك حبا بحب لانك بادرته بالطاقة الايجابية ، لا يابني على الانسان ان لايتسرع في القاء الاحكام المسبقة ، الانسان الذكي هو الذي يعرف كيف يفرق بين الاشخاص ، وان ركزت على  عيوبهم ما أحببت احدا
سكت هشام مفكرا فقال : لكن هم يعتبرون كل انسان يتصف بالخلق الجميل ضعيفا .
ابتسم الكهل : اتدري في نظر من ؟ فيمن يملك افكارا مثل افكارك ، فيمن لا يثق بنفسه ، ولم يفرض شخصيته كما خلق لمن يبنغي رضى الناس على حساب رضى رب العباد ، من لايستطيع ان يواجه العالم بحقيقته فتلاشت شخصيته واختار طريقا عواجا ، اذا ماهو الا ضعيف الهمة يثأثر لأدنى هزة . والحياة مليئة بالحواجز فلا يتجاوزها الا من عرف ان الحياة فن كما قلت سابقا ؛ كن جميلا  متخلقا  وصريحا ، مقتحما قلوب الناس بالحب ، والا تفعل الخير لتنظر المديح والشكر بل افعله لوجه الله ، وكلام الناس مجرد ترهات واقاويل لملاء الفراغ.
سكت الكهل وحل برهة من الصمت ومر رجل فألقى السلام ، فرد الكهل وهشام السلام ، وهنا قال الكهل : لو كنت بتفكيرك ، لقلت هذا الشخص ألقى السلام لأجل غرض ما ، لكنه القى السلام لانها صفة جميلة من خصالنا الحميدة ."  فقام الكهل مودعا هشام وقال : تذكر يابني ، ارضاء الناس غاية لا تدرك ، افعل الخير وانساه ، ليس مهما كم ستعيش وكيف ، الاهم ماستتركه من الخير والصفات الجميلة ليذكرك بها الناس.
دارت افكار الكهل في مخيلة هشام ، وقال مخاطبا نفسه : اه كم انا غبي ، لماذا ركزت فكري على سلبيات الناس ، وجعلتهم في صنف واحد ، والاختلاف من طبيعة الحياة ، كم من الوقت ضيعته في التفاهات ، والمعاملة الغبية ، الشكر لله الذي بعث لي هذا الرجل الحكيم ، نعم هذه الحياة لا تستحق كل هذا البؤس الفكري


في الغد دهب هشام الى مقر عمله نشيطا ، وقابل حارس الامن الشركة بابتسامة كبيرة ، امام استغراب هذا الاخير فقاطع هشام استغراب الحارس قائلا : كيف الاحوال ، اليس هناك جديد في حياتك ؟.
فرد الحارس ومازال مستغربا : ليس هناك جديد الامور كما هي.
ابتسم هشام وقال : الحياة مليئة بالجديد ياصديقي ؛ ابحث ستجد كل شيء جديد.
ودخل الى مكتب نادية ، فسلم عليها وتفاجأت نادية وردت السلام ، فاتجه نحوها قائلا : اعتذر عما سبق وبدر مني ، كنت احمقا وكنت امر بلحظات فكرية حمقاء، اثرت في معاملتي مع الاخرين . فضحك وابتسمت نادية قائلة : لا عليك .

الكل  لاحظ الغيير الثاني والافضل  لهشام . فقد أصبح دائم الابتسام ويساعد الكل ويداعبهم . يمرح ويعمل , اعتذر لكل من اساء اليهم . اصبح محط الاعجاب والاحترام . بل وأصبح ظاهرة الحي والعمل
واحرز قدما كبيرا في عمله الى وصل الى منصب مدير الشركة . ودخلت الشركة السوق العالمية .

وموازة لعمله انخرط هشام في ندوات يلقي فيها  محاضرات للتنمية البشرية  . وفي كل ندوة يصرح قائلا : كلمات رجل كهل مغمور , غيرت مفاهيم فيلسوف غبي , الى الافضل . الحياة فن كما قال  والكثيير يجهل  كيف يعيشها . لنعشها اذا ونتعلم هذا الفن والخيار الافضل لك .


إرسال تعليق